بسم الله الرّحمن الرّحيم

اللّهم صلّ على محمّد و آل محمّد

الأنصار

 

 

أصل الأنصار

 

بيان ما كان بينهم من قتال

بيان خؤولتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله

بيان العقبة الأولى (على ما يسميها البعض) ومن شهدها منهم

العقبة الثانية (وهي المسماة بالعقبة الأولى) ومن شهدها منهم

من شهد العقبة الثالثة (وهي المسماة بالعقبة الثانية) منهم

من شهد منهم بدراً

ذكر أول شهيد من المسلمين في غزوة أحد وكان منهم

مدحهم في القرآن الكريم

من تخلف عن بيعة أبي بكر منهم و أنكر عليه مجلسه

من نصر أبا عبد الله الحسين عليه السلام منهم

من شهد منهم كربلاء

 

أسباب السقيفة

 

 

  

أصل الأنصار

 

كان عمرو بن عامر آخر ملوك اليمن , وكان يحكمها لزمن طويل حتى هُدِم سد مأرب. وأبوه عامر ماء السما سمي بذلك لجوده ومن قولهم :  

كفانا عامر قحطنا             فهو ماء المزن لنا

((  ثم إن عمرو بن عامر أول من غير دين إبراهيم عليه السلام واستخرج أصنام قوم نوح من شاطىء البحر ودعا العرب إلى عبادتها ففعلوا ثم إن العرب بعد ذلك بمدة عبدوا ما استحسنوا ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم عبادة الأوثان وبقي فيهم من دين إبراهيم تعظيم البيت والحج وكانت نزار تقول في تلبيتها لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك إلى أن قال وكان لأهل كل واد صنم يعبدونه ثم بعث الله محمدا صلى الله عليه (وآله) وسلم بالتوحيد قالت قريش أجعل الآلهة إلهاً واحداً إنّ هذا لشيء عجاب.))  ص 53، ج1 ، السيرة النبوية لابن هشام

ذكر نسب الأنصار

قال حسان بن ثابت الأنصاري والأنصار بنو الأوس والخزرج ابني حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأسد بن الغوث   

إمّا سألتَ فَإنّا مَعشرٌ نُجُبٌ          الأُسْدُ نِسبَتُنا والماءُ غسانُ

كتاب السيرة النبوية، الجزء 1، صفحة 117.

وعمرو بن عامر لقبه مزيقياء وهو المراد بالمثل المشهور أعظم في نفسه من مزيقياء. ويلقب بالملطوم أيضا للقصة المشهورة في كتب التأريخ في احتياله لقومه للخروج بهم من أرض اليمن وبيع ضياعهم ، وسبب تسميته بالملطوم أنه رأى في منامه رؤيا تخبره بقرب إنهيار سد مأرب فاتفق مع ابنه عمران أن يلطمه فيغضب الابن ويخرج من اليمن إلى جبال القهر وهي بين نجران والسليل وتثليث ثم بعد فترة يبيع أبوه عمرو بن عامر أملاكه بحجة اللحاق بإبنه وأنه لا يصبر عنه ، وفي رواية أخرى ذكرها ابن كثير في تفسيره أنه اتفق مع أحد أبناءه أن ينازعه في الحديث وأن يرد عليه فيقوم الأب ويلطم الابن فيرد الابن اللطم وفي نفس الوقت طلب من أبنائه الآخرين أن لا يغيروا عليه وحين ذلك يحلف أن لا يقيم بين أظهرهم .  وفي ذلك يقول ابن المقرب :

وإنّيَ في قومي كعمروِ بنِ عامرٍ  الليالي يعصى في قبائله الأزد

أراهمْ أماراتِ الخرابِ وما بدا  من الجرذ العيّاث في صخرها الصلد

ولم يرعووا مما رَأوا  فَتفرقوا   أيادي سبا في الغور منها وفي النجد .

 

وبعد وفاته تفرق أبناؤه وأصبحوا لا ينزلون في بلد إلا ويتغلبون على أهله ،  فنزل آل جفنة ابن عمرو بن عامر الشام ونزلت الأوس والخزرج يثرب ونزلت خزاعة مرا ونزلت أزد السراة ونزلت أزد عمان ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه ففيه أنزل الله تبارك وتعالى على رسوله محمد صلى الله عليه ( و آله ) وسلم  ( لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم )
والعرم السد واحدته عرمة فيما حدثني أبو عبيدة

وفي أبناء عمرو بن عامر قال حسان بن ثابت :

يمانيون تدعونا سبأ فنجيبها        إلى الجوهر المكنون خير الجواهرِ

ونحن ملوك الناس من عهد تُبَّعٍ   إذ المُلْكُ في أبناء عمرو بن عامرِ

 

 أولاد عمرو بن عامر

 

1-   جفنة ، وهم الغساسنة ملوك الشام .

2-   الحارث.

3-    ثعلبة وولد ثعلبة حارثة وولد حارثة الأوس والخزرج غلبوا اليهود على يثرب ، وهم أنصار الرسول صلى الله عليه  ( و آله ) وسلم ، ونصروا الرسول بعد أن ناصبته قريش العداء .

4-   أبو الحارثة .

5-   كعب ، منهم السمؤال بن عاديا ( مضرب المثل في الوفاء ) .

6-   عوف .

7-   وادعة .

8-   مالك .

9-   حارثة ، وهو جد خزاعة ، غلبت جرهم على مكة ( بعد أن أكثروا فيها الفساد فأخزاهم الله بخزاعة وأخرجوهم منها ، ثم غلبهم عليها قصي بن كلاب أحد أجداد رسول الله صلى الله عليه و آله فصارت شؤونها بيده ويد ولده ) ؛ ومن ولد حارثة شكر .

10-  ذهل وأسمه وائل ومن ولده أساقفة نجران وملوكها .

11- عمران ، وولد عمران الأسد وهو دوسر جد قبيلة الدواسر والحجْر، فولد الأسد خمسة : العتيك بن الأسد وشهميل بن الأسد وأبو وائل الحارث بن الأسد وسلمة بن الأسد . سكن عمران في بادئ الأمر في جبال القهر ، ثم انتقل بعض أولاده من ذرية العتيك بن دوسر وبعض ولد الحجْر بن عمران إلى عُمان . أما بقية أولاده فانتقلوا إلى وادي الدواسر فيما بعد .

12-  وقد أورد الهمداني في قصيدة عبدالله بن عبد الرحمن الأزدي وهي قصيدة طويلة في افتراق الأزد وتحول بعض منهم إلى حياة البادية والتي من ضمنها :

أبعد الحي عمران بن عمرو       وبعد الأكرمين بني زياد

وبعد شنؤة الأبطال أضحت        بيوتهمُ ترفع بالعماد

    ذكر المقر الشهابي بن فضل الله العمري وهو من أهل القرن الثامن في كتابه التعريف بالمصطلح الشريف أن السلطان محمد بن قولون يكتب للدواسر من عرب اليمن بشأن رغبته في شراء خيل تذكر لديهم ، وأنه كان يكتب إليهم بحسب ما يظهر بالإستخبار من مكانة الرجال  ، وذكر عن فضل الله في كتابه (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) أن زعيم الدواسر رواء بن بدران . وذكرهم ابن المجاور (ت 680هـ) في كتابه ( صفة بلاد اليمن والحجاز ) عن عرب جنوب نجد وخص الدواسر بأنهم أهل خيل وإبل.

 

الأوس والخزرج

 

يتفق المؤرخون على أن الأوس والخزرج قبيلتان قحطانيتان، جاءتا من مملكة سبأ في اليمن على إثر خراب سد مأرب، وعندما وصلتا إلى يثرب أعجبتا بما فيها من أرض خصبة وينابيع ثرة، وقد كان سكانها ـ وخاصة اليهود ـ في حاجة إلى الأيدي العاملة لاستثمار الأراضي، فسمحوا لهم بالنزول قريباً منهم بين الحرة الشرقية وقباء، وكانت ظروف عملهم أول الأمر قاسية وبمرور الزمن تحسنت أحوالهم، فبدأ اليهود يخافون من منافستهم، فتداعى عقلاء الطرفين إلى عقد حلف ومعاهدة يلتزمان فيها بالسلام والتعايش والدفاع عن يثرب إزاء الغزاة، فتحالفوا على ذلك والتزموا به مدة من الزمن، ازداد خلالها عدد الأوس والخزرج ونمت ثرواتهم، ففسخ اليهود الحلف وقتلوا عدداً منهم وعملوا على إذلالهم، وبقي الأوس والخزرج على تلك الحال إلى أن ظهر فيهم مالك بن العجلان الذي استنجد بأبناء عمومته الغساسنة في الشام فاستجابوا له وأرسلوا جيشاً كسر شوكة اليهود فعادوا إلى الوفاق وعاشوا فترة أخرى حياة متوازنة، فعندما هاجم تبع بن حسان (يثرب) وأراد تخريبها وقف الجميع في وجهه حتى رجع عن قصده وصالحهم وفي هذه المرحلة من الوفاق تحرك أبناء الأوس والخزرج خارج الحزام الذي كانوا محتبسين فيه وبنوا المنازل والآطام في سائر أنحاء (يثرب) وتوسعوا في المزارع وصار لكل بطن من بطونهم مواقع كثيرة، حينئذ خطط اليهود لاستعادة سلطتهم عليهم بطريقة جديدة ترتكز على التفريق بينهم وضرب بعضهم ببعض فأعادوا التحالف معهم وجعلوا كل قبيلة منهم تحالف واحدة من القبيلتين الأوس والخزرج تمهيداً لإيقاع الفتنة بينهم، فتحالف بنو النضير وبنو قريظة مع الأوسيين، وتحالف بنو قينقاع مع الخزرجيين، وبدأت كل فئة يهودية تسعر النار في حليفتها على الطرف الآخر وتذكي العداوة والشقاق بينهما، ونجحت الخطة الماكرة واشتعلت الحروب الطاحنة واستمرت قرابة مائة وعشرين عاماً ولم تنته حتى جاء الإسلام فأطفأها.

 

المعارك بين الأوس والخزرج

 

بدأت المعارك بين الأوس والخزرج بحرب سمير وانتهت بحرب بعاث قبل الهجرة بخمس سنوات وما بين هاتين الحربين نشبت أكثر من عشرة حروب، وكان لليهود دور في إثارتها وإذكائها وأهم تلك الحروب والوقائع ما يلي: حرب سمير، وحرب حاطب، ووقعة جحجبا وموقعة السرارة وموقعة الحصين بن الأسلت وموقعة فارع ويوم الربيع وموقعة الفجار الأولى والثانية وموقعة معبس ومضرس.

 وكان آخرها وأشدها حرب بعاث، وقد استعد لها كل من الأوس والخزرج أكثر من شهرين بسبب الأحقاد المتراكمة وتحالف الأوس مع بني قريظة وبني النضير، بينما تحالف الخزرجيون مع مزينة وأشجع وخالفهم عبد الله بن أبي بن سلول، والتقى الطرفان في منطقة تسمى بعاث، واقتتلوا قتالاً شديداً، وتضعضع الأوسيون وحلفاؤهم وقتل عدد كبير منهم وبدؤوا بالفرار ولكن قائدهم حضير الكتائب ثبتهم، فقاتلوا بشجاعة وهزموا الخزرجيين وحلفاءهم، وهموا أن يقضوا عليهم نهائياً حتى صرخ رجل من الأوس (يا معشر الأوس انسحبوا ولا تهلكوا إخوانكم، فجوارهم خير من جوار الثعالب) ويقصد اليهود الماكرين. وبعد تلك الواقعة سئموا الحرب وكرهوا الفتنة وأجمعوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي بن سلول ملكاً عليهم ليستتب الأمن وتنتهي الفتن. وشاء الله أن تحدث بيعة العقبة الأولى ثم تليها العقبة الثانية في مكة وشارك فيها أفراد من القبيلتين المتصارعتين، فكانت بداية لتأليف القلوب وجمعها على الدين الحنيف. وعندما هاجر رسول الله e إلى المدينة المنورة أطفأ العداوة بين القبيلتين نهائياً وصاروا بفضل الله إخواناً وبدأت صفحة جديدة من تاريخ المدينة المنورة.

-----------------

للتوسع: وفاء الوفا ج1/166-270

 

ويسمى الأوس والخزرج ببني قيلة ، وسمّوا بذلك نسبة إلى إحدى جداتهم (قيلة). وبهذا خاطبتهم الزهراء عليها السلام أيهاً بني قيلة أهضم تراث أبي وانتم بمرأى مني ومسمع ؟

 

 

 

خؤولتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله

 

وأول علاقة صارت بين بني هاشم والخزرج عندما تزوج هاشم جد بني هاشم الأكبر من سلمى الخزرجية من بني النجار فأنجبت له عبد المطلب ومنه صار بنوا هاشم. لذلك ربطت بني هاشم بالأنصار علاقة رحم ونصرة من اليوم الأول فكل بني هاشم من سلمى الخزرجية التي كانت سيدة الخزرج. 

و ( عمرو بن زيد بن لبيد النجاري من بني النجار هو والد سلمى أم عبد المطلب  . الاستيعاب في تمييز الأصحاب ج 2باب الكاف).

 

وفي كتاب (لباب الأنساب  ) في باب :

 معنى قوله صلى الله عليه وآله :  أنا ابن العواتك أنا ابن الفواطم كلهن طاهرات سيدات :

 أم هاشم بن عبد مناف عاتكة بنت مرة بن هلال من بني سليم‏.‏

وأم رسول الله صلى الله عليه وآله آمنة بنت وهب ،  وأم وهب عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال من بني سليم‏.‏ وأم عبد مناف عاتكة بنت فالج بن هلال من بني سليم‏.‏

أما الفواطم فأم عبد الله والد النبي صلى الله عليه وآله فاطمة بنت عمرو بن عامر من بني النجار وهي مدنية‏.‏

وأم قصي فاطمة بنت عوف بن سعد بن الأزد‏.‏

وأم آمنة وهي جدة النبي عليه السلام من قبل الأم فاطمة بنت عبد الله من بني مخزوم زوجة وهب بن عبد مناف من بني زهرة‏.‏

وأم خديجة زوجة النبي صلى الله عليه وآله فاطمة بنت الأصم‏.‏

ولحمزة سيد الشهداء ابنة يقال لها‏:‏ فاطمة ويقال لها‏:‏ أيضاً البيضاء‏.‏

وفاطمة بنت أسد بن هاشم أم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ( بل هو رضا الله عليه السلام ) وأم طالب وجعفر‏.‏

والعاتكة‏:‏ القوس إذا قدمت واحمرت‏.‏

وقيل‏:‏ العواتك إحداها عاتكة بنت هلال بن فالج بن ذكوان وهي أم هاشم وإخوته‏.‏

وعاتكة بنت عامر بن الطرب بن عباد بن بشر بن الحارث بن عمرو وهي من أمهات عبد الله بن عبد المطلب‏.‏

وعاتكة أم مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان‏.‏

وعاتكة وقيل‏:‏ ليلى بنت سعد بن هذيل بن مدركة أم غالب بن فهر‏.‏

والفواطم‏:‏ فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم أم عبد الله بن عبد المطلب‏.‏

وفاطمة بنت عبد الله بن عمرو بن عائذة جدة جدة النبي صلى الله عليه وآله وفاطمة بنت عبد الله بن عمرو بن عدوان وهي أم سلمى أم عبد المطلب‏.‏

وفاطمة بنت عون بن عدي وهي أم مخزوم وهو الذي ينسب إليه بنو مخزوم جد عبد الله من قبل الأم‏.‏

وفاطمة بنت السعد ابن سهيل‏.‏

وقيل‏:‏ أم قصي فاطمة بنت عوف بن سعد بن شمل بن حجاز بن عثمان بن عامر‏.‏))  . 

  _ نقلناه بطوله لما فيه من فائدة _ .

 

عُرف الخزرج بنصرة بني هاشم منذ اليوم الأول فعندما غصب أعمام عبد المطلب ( شيبة الحمد ) حقه في سقاية الحاج وسيادة قريش طلب العون من أخواله من بني النجار فجاءوا ونصروه خير نصرة حتى أُرجع إليه حقه.

وبقيت المودة بين بني هاشم وبني عبد المطلب حتى كثرت وبانت وتجلت بنصرة الأوس والخزرج لرسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله إذ بايعوه على أن ينصروه بأموالهم وأنفسهم وأهليهم ,فسميت تلك ببيعة العقبة  : 

(( قال القمي في تفسيره: لمّا قدمت الأوس والخزرج مكّة، وكان أكثرهم مشركين على دينهم، وفيهم عبدالله ابن أبي بن أبي سَلول، وفيهم ممن أسلم بشر كثير. وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله)نازلا في دار عبد المطلب (في منى في أيّام موسم الحجّ) ومعه علي (عليه السلام)وحمزة والعباس. فجاءهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقال لهم: تمنعون جانبي حتّى أتلو عليكم كتاب ربّكم، وثوابكم على الله الجنّة؟ قالوا: نعم يا رسول الله فخذ لنفسك وربّك ما شئت. فقال: موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التشريق فاحضروا دار عبدالمطلب على العقبة، ولاتنبّهوا نائماً.

فلمّا حجّوا رجعوا إلى منى، وجاءه منهم سبعون رجلا من الأوس والخزرج فدخلوا الدار. فلمّا اجتمعوا قال لهم رسول الله: تمنعون جانبي حتّى أتلو عليكم كتاب ربّكم وثوابكم على الله الجنّة؟ فقال أسعد ابن زرارة والبَراء بن معرور وعبد الله ابن حرام: نعم يا رسول الله، فاشترط لنفسك ولربّك.

فقال رسول الله: تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم، وتمنعون أهلي ممّا تمنعون منه أهليكم؟ قالوا: فما لنا على ذلك؟

قال: تملكون بها العرب في الدنيا، وتدين لكم العجم وتكونون ملوكاً في الجنّة.

فقالوا: قد رضينا. فقام العبّاس ابن نضلة الأوسي فقال:

يا معشر الأوس والخزرج، تعلمون على ما تقدمون عليه؟ إنّما تقدمون على حرب الأحمر والأبيض وعلى حرب ملوك الدنيا، فإن علمتم أنّه إذا أصابتكم المصيبة في أنفسكم خذلتموه وتركتموه فلا تغروه، فإنّ رسول الله وإن كان قومه خالفوه  ـ  فهو في عزّ ومنعة .

فقال له عبدالله بن حرام وأسعد ابن زرارة وأبو الهيثم بن التيهان:

مالك وللكلام ؟! ثم قالوا: يا رسول الله، بل دمنا بدمك وأنفسنا بنفسك، فاشترط لربّك ولنفسك ما شئت.

فقال رسول الله: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيباً يكفلون عليكم بذلك، كما أخذ موسى من بني إسرائيل اثني عشر نقيباً. فقالوا: اختر من شئت.

فأشار جبرئيل (عليه السلام) إليهم، فقال: هذا نقيب، وهذا نقيب حتّى اختار تسعة من الخزرج وهم: أسعد بن زرارة، والبَراء بن معرور، وعبد الله ابن حرام  ـ  وهو أبو جابر بن عبدالله الأنصاري  ـ  ورافع بن مالك، وسعد ابن عبادة، والمنذر بن عمرو، وعبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، وعبادة بن الصامت. وثلاثة من الأوس هم: أبو الهيثم بن التيهان اليمني حليف بني عمرو بن عوف، وأُسيد ابن حضير، وسعد بن خيشمة.

فلمّا اجتمعوا وبايعوا رسول الله صاح بهم إبليس: يا معشر قريش والعرب، هذا محمّد والصُباة من الأوس والخزرج على هذه العقبة يبايعونه على حربكم فأسمَعَ أهل منى، فهاجت قريش وأقبلوا بالسلاح.

وسمع رسول الله النداء فقال للأنصار: تفرّقوا. فقالوا: يا رسول الله إنْ أمرتنا أن نميل عليهم بأسيافنا فعلنا.

فقال رسول الله: لم أُؤمر بذلك، ولم يأذن الله في محاربتهم.

فقالوا: يا رسول الله فتخرج معنا.

قال: انتظر أمر الله (بالهجرة) فتفرّقوا.

وخرج حمزة وعلي بن أبي طالب فوقف حمزة على العقبة ومعه السيف.

فجاءت قريش على بكرة أبيها قد أخذوا السلاح، فلمّا نظروا إلى حمزة قالوا له: ما هذا الذي اجتمعتم عليه؟

قال: ما اجتمعنا، وما هاهنا أحد، والله لا يجوز أحد هذه العقبة إلاّ ضربته بسيفي! فرجعوا. ورجع رسول الله إلى مكّة.

(ولم يطلع المسلمون من الأوس والخزرج المشركين منهم، وفيهم عبدالله بن أبيّ بن أبي سلول، فغدت قريش إليه) وقالوا له: قد بلغنا أنّ قومك بايعوا محمّداً على حربنا؟

فحلف لهم عبدالله: أنّهم لم يفعلوا ولا علم له بذلك، فصدّقوه 1.

ذكر ذلك القمي في تفسيره، ونقله عنه الطبرسي في «أعلام الورى» والقطب الراوندي في «قصص الأنبياء» ولم يتبعه تلميذه ابن شهر آشوب في «مناقب آل أبي طالب» بل قال:

كان النبيّ يعرض نفسه على قبائل العرب في الموسم، فلقى رهطاً من