بسم الله الرحمن الرحيم

اللّهم صل على محمد و آل محمد  

 

 

قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلٌى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلٌمَ

 

فَاطِمَةُ أُمٌُ أََبيِهَا

 

( فاطمة أم أبيها )

 

 

 

تمهيد : 

       قال عبد القاهر الجرجاني ( وهو اللغوي والأديب المعروف صاحب كتابي أسرار البلاغة , ودلائل الإعجاز ؛ المتوفى سنة 471 هج . ) في كتابه( دلائل الإعجاز) البلاغة ما هي إلا  : ( أن يؤتى المعنى من الجهة التي هي أصح لِتأديته , ويُختار له اللفظ الذي هو أخص به , وأكشف عنه وأتم له , وأحرى بِأن يُكسِبه نُبْلا , ويُظْهِر فيه مَزية . ) ص35 .

وقال في موضع آخر ( إن الكناية أبلغ من الإفصاح , والتعريض أوقع من التصريح , وإن للإستعارة مَزية و فضلا , وإن المجاز أبلغ من الحقيقة . ) ص55 .  

 وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  : 

                             (( أنا أفصح مَن نطق بالضاد بَيدَ أني من قُريش . )) ,  

وفي نَقل آخَر :   (( أنا أفصح العرب بَيدَ أني مِن قٌريش و نَشأتُ في بني سعد بن بكر )) 

      وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام  :  

                    (( وَ إنٌا لَأُمَراءُ الكلام , وفينا تَنَشٌَبَتْ عُروقُهُ , وعلينا تَهَدٌَلَتْ أغصانُهُ . )) .

 فعلى هذا عندما نتعامل مع كلامهم عليهم السلام علينا أن نتعامل معه تعاملا خاصا لائقا بذلك , وعلينا أن نتمعن فيه ونستخرج درره وجواهره , لا أن نحمله على ظاهره البسيط فقط , وهذا الذي أقول ليس بِدعا فَدونك كتب الأدب العربي وكتب الشعر والتعليق الذي عليها تجد ذلك واضحا في شروح الأبيات والقصائد وبيان مقاصد الشاعر والأديب , فكيف سَيَكون التعامل حينئذ مع كلام سادة البلغاء , وأمراء الكلام ؟؟   

ومن هنا واقِعا أحببتُ أنْ أغوص في هذه الكلمة العجيبة والغريبة لرسول الله صلى الله عليه وآله والله ولي التوفيق . .

المُقَدٌَمَة :

 

مصادر هذا الحديث :  

                           بحار الأنوار، ج:43، ص:19 ,

                          عوالم الزهراء، ص:69.

                          التتمة في تواريخ الأئمة، السيد تاج الدين بن علي الحسيني العاملي (ق11)، ص:40، مؤسسة البعثة، قم ـ إيران، 1412هـ.      

)           عن جعفر بن محمد قال‏:‏ كانت كنية فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أبيها.  الاستيعاب في تمييز الأصحاب / أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري / ج2 / باب الفاء / فاطمة.(     

                           مقاتل الطالبيين: 29 ،   

                           المناقب لابن المغازلي: 340 ح / 392 ، 

                           أُسد الغابة: 5 | 520 ، 

                            تهذيب التهذيب: 12 | 440   ,  

                            تاريخ الطبري / وفي سنة إحدى عشرة من الهجرة ...    

                           البداية والنهاية / ذكر من توفي في هذه السنة أعني سنة إحدى عشرة ...       

                            فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى عن المناقب، ج3، ص357.

وعندنا نحن الإمامية ذلك أمر متسالم عليه, فهو إن لم يكن متواترا فمستفيض ,  وكل كتاب يتعرض فيه لذكرها سلام الله عليها لابد له أن يزهو به فراجع .   

 

 

فَصْلُ وَفَحوى الخِطاب

 

وبما إننا لا نستطيع أن نحمل معناه المنساق من ظاهر اللفظ مباشرة , كما هو ظاهر لكل أحد .

إذن يجب أن يكون له معنى آخر  , فما هو يا تُرى ؟

 

 

المعنى الأول  :  

                  قالوا إن تفسيره يحتاج إلى مقدمة يُشرح فيها حال رسول الله صلى الله عليه وآله فهو كان قد فقد أبويه وهو لا يزال صغيرا إذ فقد أباه وهو لا زال جنينا في بطن أمه , وعندما بلغ السادسة من عمره الشريف فقد أمه , فكانت نفسه الشريفة تحتاج إلى حنان الأمومة ورعايتها وذلك ليس نقصا ولا عيبا فهو بشر يشعر بالمشاعر والأحاسيس الإنسانية ويتأثر بها كما هو حال غيره , فهو يجوع ويعطش ولا عيب في ذلك ولا غضاضة , وعندما رزقه الله الزهراء سدت هذا الفراغ في نفسه فكانت تداريه وترعاه وخاصة بعد فقد خديجة الكبرى أمها رعاية الأم لولدها وتُذهب عنه الألم وتمنحه الحنان فكانت البنت أما بمعنى الكلمة.    

(( ولكن حتى نفهم المعنى الدقيق لهذه الكلمة، لا بد أن ندرس حياة رسول الله(ص) وما لاقاه من عنت ومشقة منذ بداية حياته؛ فلقد عانى الكثير، عانى من اضطهاد المشركين له حتى قال: "ما أوذي نبيّ بمثل ما أوذيت"[ , وحزن لفقد زوجته أم المؤمنين خديجة(ع) والتي كانت ملجأ وكهفاً له يأوي إليه بعد الجهد والتعب الذي يلاقيه من قومه، وتأثر لافتقاد عمه أبي طالب الذي كان يرعاه ويدافع عنه ويقف إلى جانبه، وعانى قبل ذلك اليتم الذي عاش في زوايا إحساسه الإنساني، لأنه عاش يتم الأب وهو جنين، ويتم الأم وهو رضيع، فافتقد رعاية الأب، وحُرم حنان الأمومة.

ونحن نعرف أن حنان الأم يروي قلب الطفل كما يروي الماء الأرض اليابسة، ويغذي روحه بطريقة لا شعورية لا يحس بقيمتها إلا بعد حين، كما أن حنان الأم يجعله في شعور دائم بطفولته ما دام مع أمّه حتى لو صار في سن الخمسين، فإذا ما فارقت أمه الحياة شعر فجأة بالشيخوخة تزحف إلى حياته، ولهذا فالإنسان منا يصعد ويتقدم به العمر ليصبح كهلاً وشيخاً، ومع ذلك يبقى يحس بمشاعر الطفولة تجاه أمه، لأن أمه تحتضنه وتحاكيه وتناغيه، ولأن الأم ـ كما يقال ـ لا تعرف السن التي تتقدّم في ولدها، بل تظل تفكر فيه رضيعاً تحتضنه وطفلاً تلاعبه، والنبي(ص) لم يشذ ّعن هذه القاعدة الإنسانية العامة، وهي الحاجة إلى عطف الأم وحنانها ورعايتها واحتضانها، وهذا لا يشكل نقصاً أو عيباً في النبي(ص)، ولا يعني أنه يشكو من عقدة نقص، لأن النبي(ص) وإن كان في قمة الكمال، لكنه بشرٌ يتمتع بكل خصائص البشر ويشعر بكل حاجاتهم، يجوع كما يجوعون، ويعطش كما يعطشون، ويتألّم كما يتألمون، ويفرح كما يفرحون، ويحزن كما يحزنون، ولهذا فهو بحاجة إلى الحنان كما هو بحاجة إلى الطعام والشراب وكما أن حاجته إلى الطعام والشراب. لا تمثّل نقصاً أو عقدة نفسية، فكذا حاجته إلى الحنان والعطف، وكما الجوع لا يمثل عيباً عند أي إنسان فكذا عند النبي، وليس هناك فرق بين الجوع إلى الطعام والحاجة إلى الحنان، وقد جاع النبي(ص) حتى ربط حجر المجاعة على بطنه. وقد حدثنا الله سبحانه عن حزن النبي(ص) وضيقه وهو يخفف عنه ذلك: {ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون}[النحل:127]، وقال سبحانه: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر}[المائدة:41]. وقال: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات}[فاطر:8]، إلى غير ذلك من الآيات التي تتحدث عن بشرية النبي(ص) وحاجاته الإنسانيّة..

وإذا كان رسول الله(ص) بشراً في إحساسه ومشاعره، وكان بحاجة إلى الحنان الغامر والفيّاض واللمسة الحلوة والاحتضان الرقيق ـ كما يحتاج لذلك كل إنسان ـ لا سيما وهو يعيش تلك المرحلة الصعبة من عمر الرسالة التي كان يُسبُّ فيها ويشتم ويتهم ويرمى بالحجارة والأوساخ ويتعرض لأقسى أساليب التكذيب والمحاربة، فلهذا كان يشعر بالحاجة إلى الراحة والاطمئنان والسكينة والحنان والرعاية والاحتضان. وأي وقتٍ يحس فيه صاحب الرسالة العظيمة بالحاجة إلى ذلك أكثر من هذا الوقت الذي يجد فيه كل شياطين الأرض والذين لا يعيشون قيمة الإنسان يتكالبون عليه ويهاجمونه بالكلمة والممارسة.

فمن يمدّ الرسول بالعطف والحنان ويخفف عنه الأعباء والآلام والمعاناة؟

لم يكن هناك سوى فاطمة(ع)، فهي التي ملأت بيته بعبق الأمومة وروحها وطهرها وعاطفتها، فكانت أمه بالروح وإن كانت ابنته بالجسد، أمه بعاطفتها وروحانيتها التي غمرته بها، كانت تحتضنه قبل أن يضمّها إليه، وتبتسم له عندما تلمح الكآبة في وجهه، كانت تهدهد روحه، وتملأ عليه بيته، ولئن كانت السيرة لا تحدثنا عن تفاصيل ذلك، إلا أننا نستطيع أن نلتقطها ونستوحيها من خلال كلمة الرسول الخالدة، "فاطمة أم أبيها"، هذه الكلمة التي قالها بعد أن هزّته عاطفتها، فأطلق كلمته هذه مخلّداً حركة الأمومة في ابنته، لأن كلمة " أم أبيها " تختزن كل إحساس النبي بحنان ابنته وقلبها الكبير الذي كان يحنو على رسول الله(ص).

ولنتصوّر كم كانت عاطفة فاطمة وكم كان قلبها كبيراً حتى استطاعت أن تملأ روح هذا الإنسان العظيم وتشعره بالاطمئنان وتحوطه بالرعاية، لقد كانت أمومتها له(ص) واحتضانها له شيئاً فوق العادة، كانت بذلك تحمل مسؤولية كبرى، لأن الأمومة ـ بشكل عام ـ مسؤولية كبرى تملأ فكر الأم وتشغل مشاعرها وأحاسيسها وتتعب جسدها وفكرها، باعتبار أن المرأة عندما تكون أماً فإن الولد سيكون محور حياتها، ولهذا نجد أن بعض الأزواج يغارون من أطفالهم عندما يرون أن زوجاتهم قد شغلن بالأطفال. هذه هي طبيعة الأمومة بشكل عام، فكيف إذا كانت الأمومة لشخصية مثل رسول الله(ص)، فلا بد أن يبذل من يقوم بهذا الدور من الجهد والطاقة الشعورية ومن الروح العميقة الممتدة ومن الأفق الواسع ومن خفقات القلب ونبضات الشعور، الشيء الكثير الكثير ليقوم بهذا الدور.

ولذلك فإننا نعتبر أنّ هذه الكلمة توحي بعظمة الزهراء(ع)، وحتى وإن لم يمدنا التاريخ بكثير من تفاصيل العلاقة بين فاطمة وأبيها ومن حياتها، فإن هذه الكلمة وحدها كافية للتدليل على منزلتها ومقامها عند رسول الله(ص) الذي {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى}[ النجم:3_4] . فهو لا يتكلم عن هوى أو عاطفة غير مسؤولة، وإنما يتكلم بالحق والحقيقة والكلام الجادّ.

إن هذه الكلمة تختصر كل حياة الزهراء(ع) ودورها في تخفيف الآلام التي عاشها رسول الله(ص) والأعباء والأثقال التي واجهها من المشركين والمنافقين. ))  

كتاب الزهراء القدوة  /  الفصل الثالث  / 2  . الزهراء عليها السلام في كلمات الرسول صلى الله عليه وآله  /    4. أم أبيها /السيد محمد حسين فضل الله .  

وهو كلام رومانسي لطيف عند أول مواجهة معه ,إلا أننا لو تأملناه قليلا لَرأينا فيه ما فيه .

إذ يرد عليه : 

           أولا :  هل تحتاج البنت الصغيرة إلى الأم أكثر أم الولد الذكر البالغ العاقل مع العلم أن الولد قد تزوج واختلط بالحياة وكابدها ؟

إن قلنا الولد الذكر فقد شططنا .

             ثانيا : فإذا كان كذلك وقد ماتت خديجة الكبرى أم الزهراء عليهما السلام وهي لا زالت في سن الخامسة فمن المحتاج إلى العاطفة وعاطفة الأمومة بالذات الأب أم البنت ؟

الأب الذي تجاوز عمره الخمسين عاما أم البنت التي لم تتجاوز الخامسة ؟

وإن قلت إنها الزهراء , قلت لك فهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

            ثالثا : نرى المتكلم الكريم يركز على أيام المحنة الأولى في بداية الرسالة عندما كان المشركون وأهل مكة يرمونه بالحجارة , إذ يقول (  وإذا كان رسول الله(ص) بشراً في إحساسه ومشاعره، وكان بحاجة إلى الحنان الغامر والفيّاض واللمسة الحلوة والاحتضان الرقيق ـ كما يحتاج لذلك كل إنسان ـ لا سيما وهو يعيش تلك المرحلة الصعبة من عمر الرسالة التي كان يُسبُّ فيها ويشتم ويتهم ويرمى بالحجارة والأوساخ ويتعرض لأقسى أساليب التكذيب والمحاربة، فلهذا كان يشعر بالحاجة إلى الراحة والاطمئنان والسكينة والحنان والرعاية والاحتضان. وأي وقتٍ يحس فيه صاحب الرسالة العظيمة بالحاجة إلى ذلك أكثر من هذا الوقت الذي يجد فيه كل شياطين الأرض والذين لا يعيشون قيمة الإنسان يتكالبون عليه ويهاجمونه بالكلمة والممارسة.) راجع الكتاب المذكور وقد وردت هذه الجمل في ما أوردناه من مقاطع  سابقة فيما مضى . 

 وهذا أعجب , فما هو عمر الزهراء عليها السلام في تلك السنين  وهيَ كما نعلم قد ولِدَت في السنة الخامسة من النبوة على روايات الخاصة؟وما أدرانا أنه أطلق هذه الكلمة في تلك الأوقات ؟

         رابعا :  شخص عظيم مثل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو قد تجاوز الخمسين وقارب الستين عاما على اعتبار أن ذلك كان بعد وفاة خديجة هل تراه يشعر بمشاعر وأحاسيس فَقْد الأم وفقد حنانها ورعايتها له , وما سدها شئ في حياته أصلا وقد بقي هذا الأثر في نفسه الشريفة إلى أن جاءت الزهراء فسدته له  , فأطلق هذا القول , 

         خامسا :  فأين صارت تلك المراءة العظيمة فاطمة بنت أسد ؟  وهل ما سدت تلك عاطفته وما ملئت شعوره وأحاسيسه بحنانها ؟؟

ولنرجع لأقواله وأفعاله معها حتى لا نخوض الغمار بلا دليل ولا بصيرة من أمرنا فالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله كان يناديها ( أمي ) الخرائج والجرائح /القطب الراوندي /ج1 /138 .  وهاهو الإمام الصادق عليه السلام يقول (  كانت ( فاطمة بنت أسد ) مِن أبر الناس برسول الله صلى الله عليه وآله . ) أصول الكافي /الكليني /ج1 /ص453 .

وفي قول آخر له عليه السلام  (  وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله يحبّها ولا يناديها إلاّ بأمّي ) بحار الأنوار /ألمجلسي /ج35 /ص83 /الحديث 26 , سفينة البحار /7: 122 / مادة فطم .

 ( و كانت تغسّله وتدهن شَعره وتُرجّله ) نفس حديث البحار  . 

ولمّا جاءه أميرُ المؤمنين عليه السّلام مضطرباً بعد ذلك بسنين سأله النبيّ صلّى الله عليه وآله عمّا به، فقال أمّي ماتت فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: وأمّي واللهِ، ثمّ بكى وقال: وا أماه.،،) البحار /ج35 /ص81 /ح 23  , خصائص الأئمة / الشريف الرضي /ص 65 .   

فلاحظ قسم رسول الله صلى الله عليه وآله في الرواية وفكر فيه . 

 و عن أنس بن مالك قال : لمّا ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أمّ عليّ بن أبي طالب ، دخل عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجلس عند رأسها فقال : رحمك الله يا أمي ، كنت أمّي بعد أمّي ، تجوعين وتشبعيني ، وتعرين وتكسيني ، وتمنعين نفسك طيب الطعام وتطعميني ، تريدين بذلك وجه الله عز وجل والدار الآخرة ، ) مقتل الخوارزمي / محمد بن أحمد المؤيد الخوارزمي / 42 .

فحفروا لها قبرها، فلمّا بلغوا اللّحد حفره رسول الله  (صلى الله عليه وآله) بيده، وأخرج ترابه ودخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبرها فاضطجع فيه، ثمّ قال: «الله الّذي يحيي ويميت، وهو حيّ لا يموت، اللّهمّ اغفر لاُمّي فاطمة بنت أسد بن هاشم، ولقّنها حجتها، ووسّع عليها مدخلها بحقّ نبيّك والأنبياء من قبلي، فإنّك أرحم الراحمين» وأدخلها رسول الله (صلى الله عليه وآله) اللحد ) بصائر الدرجات : 71 عن الصادق(عليه السلام)، وراجع: موسوعة التاريخ الإسلامي: 2/433 ـ 437  الحاكم : المستدرك: 3|108؛حلية   الأولياء / 121 / 3 , المعجم الأوسط  / الطبراني / 356  .

وروى إسلام فاطمة بنت أسد وهجرتها وحنانها ورعايتها للرسول ووفاتها وما قال النبي (صلى الله عليه وآله) في فضلها كثير من الحفّاظ والمؤلّفين في كتبهم كابن عساكر وابن الأثير وابن عبد البر ومحب الدين الطبري ومحمد بن طلحة والشبلنجي وابن الصبّاغ البلاذري وغيرهم.   

 وعندما خاطبه أحدهم يا رسول الله رأيتك فعلت على هذه المرأة شيئا لم تفعله على أحد فقال له : ( إن هذه المرأة كانت أمي بعد أمي التي ولدتني ) رواه الحاكم في المستدرك بسنده (عن سعيد بن المسيب عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)  

وقد نقلنا كل ذلك لا لبيان مقام هذه المراءة العظيمة بل لبيان أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يٌعدم الحنان والرعاية حتى يكون هناك مَن يسده وهو في عمر الخمسين , ولِذا كان يسميها بأمي وهو الصادق الأمين فَإلى أي درجة وصلت هذه المرأة الجليلة حتى خوطبت بذلك من حبيب الله ورسوله صلى الله عليه وآله ؟ ولا أعتقد أن هذا مما يُناقَش فيه .  

         سادسا : إن هناك فرقاً بين الجوع والعطش والإحتياج إلى الحنان , يظهر بالتأمل وفرقاً بين المقامين .  

         سابعا : هذا المعنى معنى عامي لا يمكن أن يصدر من سيد البلغاء وعميدهم , فعنه صلى الله عليه وآله وسلم ( أنا أفصح مَن نطق بالضاد بَيد أني مِن قريش ) وفي غيره ( أنا أفصح العرب بَيد أني من قريش ونشأت في بني سَعْد بن بكر )  ذكره المتقي الهندي في كنز العمال 11 :  404  |31884  , رسائل الجاحظ / ج 1 /  فصل في تفضيل النطق على الصمت . 

 وقال علي عليه السلام ( وإنٌا لََأمراءُ الكلام , وفينا تَنَشٌبَتْ عروقُهُ وعلينا تهدٌلتْ أغصانُه . ) نهج البلاغة . 

 فهل يُمكن مِن هذا البليغ أن يُعَبر عن ذلك بذلك ؟  إن هذا لَشئ بعيد .

 نعم يُمكن أن يكون ذلك تعبيرا عن مدى حنانها وعاطفتها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , وشمولها له بالرعاية الخاصة فعبٌر صلى الله عليه وآله بذلك عن ذلك , لا باحتياج نفسه المتكاملة إليه بالمعنى المُصَوٌر , فيكون هذا اللفظ لِهذا المعنى بديعا .  

وإن كان هذا هو المقصود والتعبير كان طافحا عن الضفتين فهو قد أفسد باللفظ وبَيٌنَ بالمعنى فأحدث هذا الإرباك بالصورة والله المُسدد.   

ولعل ذلك كان مقصود مَن قال : (ولعل وجه تكنيتها بأم أبيها هو أنه صلى الله عليه وآله وسلم يعاملها عليها السلام معاملة الولد أُمه، وأنها تعامله معاملة الأم ولدها، كما أن التاريخ يؤيد ذلك والأخبار تعضده، ففي الأخبار الكثيرة أنه صلى الله عليه وآله وسلم يقبل يدها ويخصها بالزيارة عند كل عودة منه إلى المدينة المشرفة ويودعها منطلقا عنها في كل أسفاره ورحلاته، وكأنه يتزود من هذا النبع الصافي عاطفة لسفره كما يتزود الولد المؤدب من أمها. وتلاحظ من جهة أخرى أن فاطمة الزهراء عليها السلام تحتضنه، وتضمد جروحه، وتخفف من آلامه كالأم المشفقة لولدها. وبالجملة كل ما يجده الولد في أمه من العطف والرقة والشفقة والأنس، فهو صلى الله عليه وآله وسلم يجده في فاطمة عليها السلام وكأنها أمه. ) فاطمة بهجة قلب المصطفى / أحمد الرحماني الهمداني /  ص204 .   

 وَ إلٌا ورد عليه ما أوردناه على القول السابق .

 المعنى الثاني  : 

                       ( إن النكتة في هذه التكنية إنما هي محض إظهار المحبة، فإن الإنسان إذا أحب ولده أو غيره وأراد أن يظهر في حقه غاية المحبة قال: (يا أماه) في خطاب المؤنث، ويا (أباه) في خطاب المذكر، تنزيلا لهما بمنزلة الأم والأب في الحرمة على ما هو معروف في العرف والعادة . ) اللمعة البيضاء / ص50 / المولى محمد علي بن أحمد القراهداغي الأونساري المتوفى سنة 1306 هج . .  

 وهذا كلام مثل سابقه في عدم الوضوح والمتكلم هو سيد البلغاء .

    

 المعنى الثالث :    

                  (  ولقد ورد في صحاح اللغة العربية أن معنى كلمة أُمٌُ هو الأصل كما هو معروف في لسان القرآن الكريم حيث عبر عن مكة المكرمة بـ ( أم القرى ) أي أصل القرى في الجزيرة العربية ، ومنها انطلقت روح الحياة لكي تغذي القرى ومن حولها وتقوم برعايتها ، وذلك لما لها من مكان وموقع جغرافي في قلب الجزيرة العربية مما جعلها قطب الرحى لبقية القرى ... وعلى هذا الأساس نفهم معنى هذا الحديث « أم أبيها » حيث نستطيع تفسير بأن فاطمة عليها السلام كانت مصدر ذرية رسول الله ومنبع نسله وهذا ينطبق ويتماشى مع تفسير الكوثر الذي هو مصدر ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ) الأسرار الفاطمية /البحث العاشر / فاطمة أم أبيها / ص271 / الشيخ محمد فاضل المسعودي .    

 

المعنى الرابع :  

                  أم كل شئ أصله وعماده . لسان العرب / ابن منظور ؛ القاموس المحيط / الفيروز آبادي ؛ مجمع البحرين / العلامة الطريحي .  

 فحينئذ تعبيره صلى الله عليه وآله إما أن يكون مشابهاً لتعبيره صلى الله عليه وآله عن الحسين عليه السلام ( حسين مني وأنا من حسين ) فَعبٌر صلى الله عليه وآله وسلم بتضحية الحسين وشهادته في سبيل دين جده المصطفى صلى الله عليه وآله , وإنقاذه مما كان فيه مِن خطر عظيم حيث لولا وقوفه الصامد ذاك لانطفأ نور الله تعالى في أرضه وسماواته فعبر عن ذلك بِأنه منه وهو أجمل تعبير , فكذلك هنا لولا وقوف الزهراء عليها السلام ذلك الموقف العظيم دِفاعا عن الحق وأهله , في وجه الإنقلاب الكبير الذي حصل بعد انتقال رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الرفيق الأعلى لانطفأ نور الله كما هو واضح , فهي التي مهدت وأسست اللبنات الأولى للدفاع عن نهج الرسول صلى الله عليه وآله وما بكاؤها , وخطبتاها , ودفنها ليلا , وعدم السماح لِأحد مِن أولئك الذين غصبوا الخلافة الإلهية مِن بعلها , ومنعوها حقها أن يحضروا جنازتها أو أن يشهدوا دفنها وحتى اختفاء قبرها لِحد كتابة هذه السطور كل ذلك دليل واضح على الفتنة التي وَلٌدَها أولئك الظالمون فلم تُصِبْهٌم خاصة بل شملت البشرية كلها إلى ظهور الحجة عجل الله له الفرج , وكذا دفاعها عن إمام زمانها علي عليه السلام إذ لولا وقوفها الصامد ودفاعها المستميت عليها السلام في تلك اللحظات الحرجة لَقَتَلوا عليا كما قُتِل سعد بن عبادة وغيره ...

 

 

 

 المعنى الخامس  : 

                        أو يكون المقصود الشريف معنى آخر أدق , فعندما عبر الرسول الأكرم عن فاطمة الزهراء صلى الله عليه وآله وسلم بأم أبيها كان ذلك تعبيرا عن أن أصل النبي الكريم الزهراء وعماده, والنبي يمثل النبوة الإلهية والخلافة الكاملة والحقيقة لله تعالى في الأرض , التي من أجلها خُلِقَ آدم فَمِن هنا يُمكن أن نُدرِك بعض مقامات الزهراء عليها السلام فهي عماد من أعمدة الخلافة الحقيقة لله تعالى في الأرض بل هي أصل وعماد الرحمة الإلهية المتمثلة برسول الله الكريم صلى الله عليه وآله المُعَبٌر عنها في كتاب الله المجيد (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ))  الشاملة لكل العوالم لِمكان الجمع ودخول الألف واللام عليها , فتدبر بهذا فإنه حري بذلك فإنه بِهذا تُحل أسرار كثير من الروايات الواردة لِبيان مقام الزهراء عليها السلام وعلو شأنها .   

 

 المعنى السادس :   

(الأُمٌ كالأمٌَة , وأصل هذا الباب كله من القصد .

ويقال: أَمَمْتُ إِليه إِذا قَصَدْتهِ فمعنى الأُمَّة في الدِّينِ أَنَّ مَقْصِدَهم مَقْصِد واحدِ ومعنى الإِمَّة في النِّعْمة إِنما هو الشيء الذي يَقْصِده الخلْق ويَطْلُبونهِ ومعنى الأُمَّة في الرجُل المُنْفَرد الذي لا نَظِير له أَن قَصْده منفرد من قَصْد سائر الناس. )  لسان العرب / إبن منظور .

قال تعالى : (( وأمٌا مَن خفٌتْ مَوازينُهُ فَاٌُمٌُهُ هاويَة )) 8-9 القارعة . 

                أي مقصده ومأواه الهاوية وهي مِن أسماء النار .   

على هذا يكون معنى الحديث الشريف أن الزهراء البتول هي المقصد لرسول الله تعالى صلى الله عليه وآله وسلم,وللرحمة الإلهية التي يجسدها,وهيَ استقراره .   

 وهذا المعنى اللطيف وجدته أول ما وجدته في قول مَن قال :  

( بعضهم فسٌر الأمر أن النبي كان بحاجة إلى عطف وحنان لأنه بدأ حياته وهو يشكو فقد الأم , لِهذا قال هذه المقالة ؛ والصحيح معناه أن فاطمة مقصد أبيها لان لفظ ( أم ) يدل على المقصد والمنتهى كما في قوله تعالى في مَن يَرد جهنم ( فَأُمٌُهُ هاوية ) أي مقصده ومنتهاه جهنم لان هاوية إسم لجهنم وفي حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله فاطمة أم أبيها يعني رحمة العالمين مقصدها ومنتهاها فاطمة , لان كلمة النبي صلى الله عليه وآله بِحقها عليها السلام أم أبيها تريد أن تبين حقيقة وأبعاد تعامل الزهراء مع أبيها وموقعها صلوات الله عليها من مقام النبوة المحمدية .) 

 مجلة الجنان الإلكترونية / السنة الثانية /العدد الرابع / شهر ج 2 / 1421هج / التولي والتبري .. / الشيخ رحمة الله العاملي .

          

                                      

 

 

المعنى السابع  :  

                  (  في الحديث: اتَّقوا الخَمْر فإِنها أُمُّ الخَبائث؛  

وقال شمر: أُمُّ الخبائث التي تَجْمَع كلَّ خَبيثِ ,

قال: وقال الفصيح في أَعراب قيس: إِذا قيل أُمُّ الشَّرِّ فهي تَجْمَع كل شرَ على وَجْه الأَرضِ وإِذا قيل أُمُّ الخير فهي تجمع كلَّ خَيْر ؛  
ابن شميل: الأُمُّ لكل شيء هو المَجْمَع والمَضَمُّ
. 

ويقال أَيضاً: أُم الرأْسِ و أُمُّ الرأْس الدِّماغ؛ قال ابن دُرَيد: وهي الجِلْدة الرقيقة التي عليهاِ وهي مُجْتَمعه ,) راجع في ذلك كله لسان العرب / ج 1 / إبن منظور .

( قوله تعالى: (وإنه في أم الكتاب) [43 / 4] الآية يعني في أصل الكتاب، يريد اللوح المحفوظ. وأم الكتاب أيضا: فاتحة الكتاب،

 وسميت أما لأنها أوله وأصله ولان السورة تضاف إليها ولا تضاف هي إلى شئ ،

وقيل سميت أمٌاً لأنها جامعة لأصل مقاصده ومحتوية على رؤوس مطالبه، والعرب يسمون ما يجمع أشياء متعددة: أمٌاً، كما يسمون الجلدة الجامعة للدماغ وحواسه أمٌ الرأس، ولأنها كالفذلكة لِمَا فُصٌِل في القرآن المجيد، لاشتمالها على المعاني في القرآن من الثناء على الله بما هو أهله، ومن التعبد بالأمر والنهي والوعد والوعيد فكأنه نشأ وتولد منها بالتفصيل بعد الإجمال، كما سميت مكة أمٌ القرى لان الأرض دحيت منها.) الطريحي / مجمع البحرين / مادة أ م م .  

 ومن هنا نقول إن معنى الحديث الشريف إن الزهراء البتول ما هيَ إلا مجمع لكمالات الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وآله , ولِهذا أشار صلى الله عليه وآله فقال فاطمة أمٌ أبيها .  

فما كان في رسول الله صلى الله عليه وآله من علو الهمة وكرم الأخلاق كله كان مرتكزا عندها سلام الله عليها فهي مركز الأخلاق المحمدية التي أشار إليها رب العزة في قوله تعالى (( و إنٌكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظيم )) .  

 وهيَ مركز الرحمة الإلهية كلها وهيَ المعين الصافي لِكُل الكمالات وبذلك صدق قول الصادق الأمين وهو الصادق ( إن الله يرضى لِرضاها ويغضب لِغَضَبِها ) .     

 

 المعنى الثامن :  

                   وبما إن الأم لكل شيء كما ظهر فيما سبق هو المَجْمَع والمَضَمُّ ,

 وهي كانت روحي فداها مركز النور المحمدي والعلوي فمنها انطلق إلى عالم الوجود المادي , بعد أن تفرق ذلك النور المنتقل من صُلب آدم إلى أولاده الذين هم آباء رسول الله صلى الله عليه وآله حتى وصل إلى عبد المطلب فانقسم قسمين قسم في عبد الله وآخر في أبي طالب وظهرا في محمد وعلي صلى الله على محمد وآل محمد وتكاملا  بهما , واجتمع النور في فاطمة الزهراء تارة أخرى بكل نقائه وصفائه وطهارته  فكانت زهراء بالاسم والمعنى وبالذات , ومنه تجسد النور الخالد للذرية الطاهرة المباركة .  

 

 المعنى التاسع :  

                   كما أنها هي مرجع الأنوار كلها ومجمعها ؛ توضيحه : هي أم على الحقيقة للأطهار المعصومين من الحسن والحسين والتسعة المعصومين من أولاد الحسين , و بهذا القول ( فاطمة أم أبيها )  كُشِف بأنها مرجع  محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وآله , و لا ننس بأن عليا نفس محمد بصريح القران بدلالة قوله تعالى ( وأنفسنا وأنفسكم ) فهي مرجع علي عليه السلام حينئذ أيضا , إذن فهي مرجع نور محمد وعلي , وبذلك تكون سلام الله عليها مجمع النور كله , ومرجعه ومصدره , فهي أصل النور وفاتحة النور كما كانت سورة الحمد فاتحة الكتاب وأم الكتاب , ومن هنا سنكتشف بعض سر الحديث القدسي في واقعة حديث الكساء عندما سأل جبرائيل عليه السلام رب العِزٌة  سبحانه و تعالى ( وَ مَنْ تحتَ الكساء ؟ )  قال عز مِن  قائل ( هم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها ) فهي المركز ومنها التشقيق والتعريف .    

 

المعنى العاشر :        

                  نتقرٌَب إليه ونستوضحه بقولِه تعالى  :    

(( هُوَ الٌذي أنْزَلَ عَليكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحكَمات ٌ هُنٌ أمٌُ الكتابِ  وَ أُخَرُ مُتَشابِهات ))    والمتشابه كما نعلم هو الذي لا يظهر معناه إلا ببيان وتوضيح , وإذا لم يظهرْ لنا معناه فالمَرجِع حينئذٍ الآياتُ المُحكَماتُ اللاتي هنٌَ أمٌُ الكتاب , فعلى هذا نقول إننا نرجع لدى الشك وعدم الوضوح وربما الاختلاف في أمر إلى شئ واضح لا لَبْس فيه  , فلو اختلفنا في موضع مُعَين وارتبكنا في أمرِنا ولم نعلَم فَرَضا حُكم رسولِ الله صلى الله عليه وآلِه وسلم , فَسَيَكون المُبين له و الذي نرجع إليه هو المُحكَم مِن أمره المُعَبٌر عنه ب ( أمٌِهِ) , كما رجعنا بالمتشابه من الآيات إلى أمٌ الكتاب , وما أمٌُهُ إلا الزهراء البتول عليها السلام فيظهر لنا الحكم , و من جملة تطبيقاته مَثَلاً اختلافها مع السلطة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله حيث ادٌعت الإرث وهم قالوا بان محمدا صلى الله عليه وآله مات ولم يورِث بحديث مزعوم مفادُهُ إنا معاشر الأنبياء لا نُوًرِث ما تركناه صدقة , وحدث الإختلاف حينئذ , وفي مثله كان عليهم أن يرجعوا إلى الزهراء البتول عليها السلام لِبيان حكم رسول الله صلى عليه وآله وسلم لبيان تصرفه في مثله على اعتبار أنها أمٌُ أبيها , فما لم يتوضح منه علينا الرجوع إلى ما فيه مجمع حكمه , وهو الحل في مثلِه وقد بينه صلى الله عليه وآله بأخصر عبارة وأحسن بيان وما بعد الهدى إلا الضلال المبين , كما هو مفاد كثير من الآيات والروايات فلاحظ  فَإنهُ حَريٌ بالمُلاحَظة والتدقيق .

 

 المعنى الحادي عشر :  

                      بما إن الزهراء البتول كانت تعيش قريبا مِن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وهيَ مَن هي , وقد أنزل الجليل عز من قائل في كتابه  تسمية أزواج الرسول صلى الله عليه وآله بِأُمهات المؤمنين فَلَرُبما ينشأ في نفوسِهِنٌ من ذلك بعض السمو على فاطِمة , أو ربما يرى المؤمنون من ذلك منزِلة لَهُنٌ دونها منزلة الزهراء عليها السلام , وشٌَحها الرسول الكريم صلى الله عليه وآله بِهذا الوشاح الخالِد , وأعطاها هذا الوسام المبارك فَكَنٌاها بِ ( أمٌِ أبيها) تبيانا لِمقامِها عِنده صلى الله عليه وآلِه وإجلالا لها إشارةً لِبعض معاني الحديث المدرجة , ولعل هذا كان أحد جهات سبب تكنيتها بذلك , فهو أقرب لِهذا من كونه معنى مستقلا ً.     

 

والمعنى الأخير : 

                     ما هوَ إلا المعنى الجامِع لِكُلٌِ ذلك وليس بِدعا في كلام العرب أن يستعمِلوا اللفظ ويريدون عِدٌَة معانٍ منه , والمقام يتطلب ذلك , وهو أبلغ في البلاغة وأفصح في الفصاحة , فالكناية عن كل ذلك بالأمٌ لَهوَ أُمٌُ الكلام , بديع لا يرتكبه إلا الأوحدي من الناس , والكناية كما يعلم أهل اللغة أبلغ مِن التصريح .      

  

                                         فَما هيَ الزهراء ؟ وَمَن ْهي ؟

 

                                ولِهذا وغيرِهِ فُُطِمَ الخَلقُ عن مَعْرِفَتِها .

 

 وبهذا نختم كلامنا حول هذه الكلمة المحمدية شاكرين حامدين مصلين على خير خلقه وسادة بريته محمد و آل محمد , اللهم صل على محمد وآل محمد .      

                                                                          محمد حسين الأنصاري    

                                                                           سدني ----- أستراليا   

                                                                          1423هج.     2002 م.  

                                                              أيام شهادة الزهراء وولادتها عليها السلام .