بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على محمد و آل محمد

 حضرة الأخ الجليل جمران المحترم 

 السلام عليكم ورحمة الله وبركانه . 

 وردنا منكم السؤال التالي  :   مالمقصود من مصطلح (العرفان ) وهل هو مختص بالعلماء المجتهدين , وهل (التوسم) أو (الفراسة ) هما من العرفان أم لا, وماذا يطلق على من يخبر عن أشياء قد حدثت عند أشخاص ولا يعلم بها إلا الله سبحانه وتعالى , وهل ما ورد عن بيت الرحمة صلوات الله وسلامه عليهم "" مَن أخلص لله أربعين صباحاً جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"" مصداق لذلك ,وما المقصود عن ما ورد في مناجاة العارفين للإمام زين العابدين "عليه السلام " "وفي رياض القرب والمكاشفة يرتعون" وهل يطلق عليهم ,     وما تنصحونا عند وجود مثل هذه الشخصية العلمائية ؟  

                                                 الجواب :

العرفان :

 قد عرفوه من انه ( طريقة خاصة للوصول إلى حقائق الوجود ، ولارتباط الإنسان بالحقيقة ، وهي تقوم على الشهود والإشراق والوصول والإتحاد بالحقيقة ).

إذ يقولون بأن معرفة الله تعالى تتم بطريقين الأول منهما طريق القلب والشهود ، والثاني العقل والإستدلال ؛ وتركيز العرفان على الأول وهو يرتكز على الفطرة كما يقولون فإن هناك ميل إلى الكمال المطلق والتقرب إلى الذات الإلهية المقدسة . ويعتقدون أن الأنبياء والرسل ما هدفهم إلا إيجاد مقدمات وتهيئتها لتخطي الإنسان إلى هذا المراد .  وهو غير الكشف والكرامة التي أشرت إليها ؛ فإن الكشف أقرب للرؤيا منها إلى غيرها ولكنها ليست هي ... والكرامة كذلك ربما لها مدد غيبي وبه يستطيع أن يقوم بأعمال و أمور غير معتادة كشفاء المرضى مثلاً .  وهذه الأمور قد تختلط وليس لها مقياس ثابت نستطيع الإعتماد عليه فيها . 

  وقلنا تختلط لان هناك مقابل هذا الكشف كشف آخر مشابه له تماما ؛ ومقابل تلك الكرامات أفعال عجيبة تصدر من بعض النفوس القوية التي اعتمدت على الرياضات المرهقة فجمحتْ بعض شهوات النفس أيضاً , ولأكثرها ارتباط بنفس الشيطان الرجيم ، لِذا يحصل هذا الأمر حتى للكافر الفاجر والمشرك الخبيث عند الهنود وعبٌاد الحجر والمدر .  والتفرقة بين المقامين لا يتحصل لكل أحد ، لأنه من الأمور الخفية والدقيقة جداً .

 لذا ننصح إخواننا الأعزاء الإبتعاد عن مثل هذه الأمور لأنه ليس لها مقياس دقيق ظاهري يُعتمد عليه ولأن كثيراً منها تكون مدعاةً لادعاء أصحابها مقامات لا تليق بمثلهم أبدا ، والله المسدد والموفق . 

ويمكن أن نعرض هذا كله بأصنافه وأنواعه على الأمور الواضحة والأسس الصحيحة من العقيدة الحقٌة وما هي إلا الكتاب والسنة ، فكل ما يوافقهما فهو صحيح و إلا فهو شيطاني يجب الإبتعاد عنه ، وهذا لا يتمكن منه أغلب الناس وعامتهم .

 ونعم ما ذُكِر في كتاب العقائد الإسلامية من ملاحظات لا تفوت اللبيب فإنه قال بعد الخوض بهذا الحديث وأشباهه  :

{{ ولابد هنا من تسجيل الملاحظات التالية :  

أولاً : وردت أحاديث شريفة في تفسير الآية المذكورة { ويقصد بها ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق من ربهم ) إذ استندوا عليها في تقسيم المعرفة إلى المعرفة الآفاقية ومعرفة الأنفس } بأنها { أي الآية المباركة } من علامات ظهور الإمام المهدي عليه السلام أو من الأحداث التي تظهر على يده ، وأن المقصود بالآفاق آفاق الأرض حيث ( تنتقض الأطراف عليهم ) أي على الجبارين قرب ظهوره عليه السلام . ويؤيد ذلك سين الاِستقبال في الآية ، التي تخبر عن حدث في المستقبل ، وإلا لقال ( ولقد أريناهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) مثلاً . أو قال ( أولم ينظروا في الآفاق ) كما قال تعالى ( أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض) .

{{   أو يُقصَد بالآية المباركة التقدم العلمي الهائل الذي يصله الإنسان وهو أقرب للقبول ، كما هو الحال في أيامنا هذه من التقدم التكنولوجي في جميع نواحي الحياة من الذرة إلى غير ذلك من العلوم المتشعبة والكثيرة في هذه الميادين ، واللطيف أن كثيراً منها فيه إ شارات قرآنية لطيفة وبها يستطيع الإنسان أن يعلم من أن هذا الكتاب لا يمكن أن يكون من البشر أصلاً ولابد أن يكون من الخالق المصور العالم بكل شئ . }} هذه الإضافة منا .

 ثانياً  :  لا شك أن النظر في ملكوت السماوات والأرض ، أي فيما يمكن للاِنسان معرفته وفهمه وأخذ العبرة منه ، أمر محبوب شرعاً وموصل إلى معرفة الله تعالى وزيادة الإيمان به

 قال تعالى : أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى

أن يكون قد اقترب أجلهم ، فبأي حديث بعده يؤمنون . الأعراف ــ 185 ،  ولكن نفس الإنسان جزء من هذا الملكوت وواحدة من هذه الآفاق ، وليست طريقاً في مقابل بقية الآفاق .

 ثالثاً : لم أجد سنداً للحديث الذي ذكره ( المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين ) ومن البعيد أن يكون حديثاً شريفاً ، وعلى فرض صحته لا يصح تفسيره بما ذكره رحمه الله فإن المقابل لمعرفة الله بالنفس معرفة الله بالله تعالى ، أو معرفة الله بأنبيائه وأوليائه ، أو
معرفة الله بآياته غير النفس . . فمن أين جعل رحمه الله المعرفة التي تقابل معرفة النفس ، معرفة الآفاق وحصره المقابلة بها ؟ .

 ثم إذا كانت المعرفة بالسير الآفاقي تشمل معرفة الله بالله تعالى وبأوليائه صلوات الله عليهم ، فكيف يصح تفضيل معرفته عن طريق النفس على هذه المعرفة ؟

رابعاً : تقدم بحث الحد الأدنى الواجب من معرفة الله تعالى ، ولم يتعرض الفقهاء والمتكلمون إلى طرقه ، ولم يفضلوا بعضها على بعض . كما تقدم أن معرفة الله هي من صنعه تعالى في نفس الإنسان وألطافه به ، ولا صنع للاِنسان فيها .

 خامساً : لا شك في صحة ما ذكره رحمه الله من أن تزكية النفس وتهذيبها من الرذائل والشهوات والتعلق بحطام الدنيا ومتاعها ، مقدمة لازمة لتحقيق هدف الدين الذي هو عبادة الله تعالى . قال تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) وقال تعالى (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ) ولكن الوارد في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة هو تزكية النفس وجهاد النفس ومخالفة النفس ، وهي أمور عملية غير ما يطرحه المتصوفة والعرفاء من معرفة النفس ، وإن كانت تزكية النفس تتوقف على قدر من معرفتها. سادساً : لو سلمنا أن تزكية النفس ومخالفتها وجهادها هي نفس معرفة النفس التي طرحها المتصوفة والعرفاء ، ولكن الدعوة إلى معرفة الله تعالى وطاعته عن طريق معرفة النفس على إجمالها وإهمالها تتضمن مخاطر عديدة لا يمكن قبولها ، لأنها تتسع للضد والنقيض في الأساليب والأهداف والقدوات . . جميعاً فبعض الدعوات إلى معرفة الله تعالى عن طريق معرفة النفس تتبنى العزلة والرهبانية ، وبعضها يتبنى إصلاح النفس والمجتمع والحكم . وبعضها يدعو إلى التقيد بأحكام الشريعة المقررة في هذا المذهب أو ذاك . . . . وبعضها يدعو إلى تقليد الأستاذ شيخ الطريقة أو أستاذ الأخلاق وما شابه ، دون الحاجة إلى أخذ أي مفهوم أو حكم شرعي من غيره , وبعضها يدعي أنه يتصل بالله تعالى عن طريق المعرفة فيُلهم العقائد والأحكام الشرعية ، ولا يحتاج عند ذلك إلى شريعة ! بل ولا إلى نبوة وبعض الدعوات تجعل قدوتها في المعرفة بعض الصحابة أو الأولياء الذين لم يجعلهم الله تعالى ولا رسوله قدوة . بل قد يتخذ بعضهم قدوة من العرفاء والمتصوفة غير المسلمين . . إلى آخر ما هنالك من تعدد الأساليب والأهداف والقدوات ولهذا ، فإن من المشكل جداً أن ندعو الناس إلى معرفة الله تعالى عن طريق معرفة النفس ، ونقول لهم اقتدوا بأستاذكم حتى يصل أحدكم إلى الله تعالى فيصير أستاذاً مجتهداً ! فما أيسر أن يجلس الشيطان في هذا الطريق وينحرف بالإنسان ؛ {{  إذ التفريق بينها صعب جداً فالعرفان موجود بالتصوف الذي انتقده الأئمة عليهم السلام أي انتقاد بل هو موجود عند البراهمة والهندوس والبوذيين والزرادشت وغيرهم من الملل المنحرفة ، ويختلط البعض بالبعض كثيراً . }} . إضافة منا أيضاً .

 سابعاً : بما أن حب الذات أقوى غرائز الإنسان على الإطلاق ، فإن دعوة العوام بل وأكثر المتعلمين إلى سلوك طريق العرفان والتصوف بدون تحديد الوسائل والأهداف والقدوة ، يجعلهم في معرض الوقوع في عبادة الذات وتعظيمها ، فيتخيل أحدهم أنه وصل إلى الله تعالى ، وحصل على ارتباط به ، وصار صاحب أسرار إلَهية، ويزين له الشيطان العيش في عالم من نسيج الخيال وحب الذات، وقد تظهر منه ادعاءات باطلة واتجاهات منحرفة ، أعاذنا الله وجميع المؤمنين؛ لذلك فإن الاِئتمام في المعرفة وتعيين وسائلها وهدفها من أول ضرورياتها، فالواجب التركيز على القدوة في معرفة النفس والسلوك ، قبل الدعوة إلى سلوك طريقٍ لا إمام له .

ثامناً : ما دامت معرفة النفس عند المتصوفة طريقاً إلى معرفة الله تعالى ، ومعرفة الله تعالى طريقاً إلى عبادته ، فالهدف المتفق عليه عند الجميع هو عبادة الله سبحانه . وهذه العبادة التي هي غاية الخلق وطريق التكامل الإنساني الوحيد ، إنما تحصل بإطاعته سبحانه ، وإطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وإطاعة أهل بيته عليهم السلام أولي الأمر الذين أمرنا الله ورسوله بإطاعتهم والإقتداء بهم . ولذلك فلابد في الدعوة إلى المعرفة والعرفان وتزكية النفس وتطهيرها وجهادها وغرس الفضائل فيها  أن تتقيد بإطاعة الأحكام الشرعية كاملة ، وتتخذ من النبي وآله صلى الله عليه وعليهم قدوة وأئمة في المسلك والسلوك . . حتى تكون طريقاً صحيحاً في الحياة ، موصلة إلى رضوان الله تعالى ؛  ولذلك أجاب أحد الفقهاء شخصاً سأله ما هو العرفان ، وكيف يكون الإنسان عارفاً ، فقال له : هذه الأحكام الشرعية التي تطبقها يومياً فتصلي وتقوم بالواجبات وتترك المحرمات هي العرفان ، وأنت بسلوكك هذا تمارس المعرفة ومن الطبيعي أن يكون ذلك السلوك على درجات ومراتب ومقامات ، ولكنها تتحقق من هذا الطريق الذي سلكه النبي وآله وتلامذتهم ، لا من غيره . }} . إنتهى ما أردنا نقله .

 بهذا نعلم من أن العرفان ليس مختصاً بالعلماء والمجتهدين ، ويُعلَم منه أيضاً أن التوسم والفراسة قد يكونان منه ، وكذلك بقية الأمور غير الطبيعية والظاهرة .

 وأما ما ورد عن بيت أهل العصمة عليهم السلام من أن مَن أخلص لله أربعين صباحاً جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه فهو أحد مصاديق القرب الإلهي ، وهو غير مصطلح العرفان كما عرفت. 

وأما المقصود عن ما ورد في مناجاة العارفين للإمام زين العابدين عليه السلام "وفي رياض القرب والمكاشفة يرتعون" وهل يطلق عليهم ؟ ، فهذا لا يليق إلا بهم عليهم السلام ولعل بعض الذين هم يعرفون معهم ، والله أدرى بحقائق الأمور ، فليس لنا أن ندعي هذا المقام لغيرهم سلام الله عليهم وليس لأحد أن يدعيه لنفسه أبداً ، ولو ادعاه لكفى هذا بافترائه ، لأن أهل هذه المقامات أعلى من أن يذكروا ذلك أبداً .  والحمد لله أولاً و آخراً وله المنة ؛  والسلام .

                                                             محمد حسين الأنصاري

                                                    21  /من ذي الحجة الحرام / 1423