بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على محمد و آل محمد

Bottom of Form

 

الرابعة - أبريل 2004 م - صفر 1425هـ العدد 42 - السنةذكرت مجلة الزهور النسائية في

 

 

 

 

المهندسة ليلى عبد المنعم أول مسلمة تنال وسام الاستحقاق العالمى فى الاختراع ... فقدت سندها المعنوى فلم تقدم الاختراع (102)



ينقل عطرها: عصام عبد الرحمن

قصة ذى القرنين أوحت لى باختراع حائط مقاوم للزلازل وعازل لرشح المياه

منذ صغرى أهوى فك الألعاب ذات المحركات ولذلك اخترت التخصص فى الميكانيكا

تعرضت للسطو على بعض اختراعاتى وأتساءل عن دور حكوماتنا فى حماية حقوق علمائها

رغم انشغال زوجى (رحمه الله) بعمله لم أجد منه إلا المشاركة والدعم ومنذ وفاته لم أخترع شيئًا

ابنتى ورثت حب الاختراع وقدمت أولى ابتكاراتها وهى فى الثالثة عشرة

البداية مناخ قرآنى فى أسرة متحابة، الأب حريص على أن يعتصم أبناؤه الخمسة بكتاب الله، والأم تزهو بأنها ربة أسرة سعيدة دستورها الحب والإيثار، ومظلتها عشق العلم واحترام العقل.

وعبر محطات الرحلة، توقفت عند اختيار صعب تتحدى به قدرتها على إثبات ذاتها علميًا، يؤتى التحدى ثمرته، فتحصل على وسام الاستحقاق العالمى من الدرجة الأولى فى مؤتمر «جلوبل» الدولى للاختراعات الحديثة عن مجموعة اختراعات متميزة أثبتت من خلالها أن البحث العلمى ليس حكرًا على الرجال دون النساء، وأن اعتزاز المرأة المسلمة بتكريم الإسلام لها يمكن أن يُترجم إلى إنجازات غير مسبوقة فى كل المجالات.

اليوم غادر إحدى زهرات بستان العلم، ونتوقف معها عند عطائها وابتكاراتها التى بهرت العالم، فنسبت بعض الدول إلى نفسها جزءًا منها.

معنا اليوم المهندسة ليلى عبد المنعم أول امرأة مسلمة تحصل على تكريم عالمى من الدرجة الأولى، وصاحبة (101) ابتكارًا غير مسبوق، مسجلين بأكاديمية البحث العلمى والتكنولوجيا.

ـ ونبدأ مع زهرتنا فنسأل عن نشأتها؟

- ولدت لأب طيب القلب يحفظ كتاب الله، ويعمل محاسبًا، وأم تحفظ القرآن، وتفخر بأنها ربة منزل، ووسط ستة أشقاء وشقيقات، جميعًا حفظنا القرآن فى صغارنا، واختار أخى الأكبر العمل الحر، والأخ الثانى هندسة البترول، والثالث التدريس بالجامعة، أما أخواتى الثلاث فاخترن الطب، واخترت أنا الهندسة، وتخصصت فى قسم الميكانيكا فى فترة الجامعة، وأنا أرملة زوج طيب، كان لى نعم العون (رحمه الله) وأم لمهندسة شابة تحفظ القرآن الكريم، وسجلت باسمها 13 اختراعًا، وهى زوجة لشاب يتقى الله فيها.

ـ ولماذا اخترت دراسة الميكانيكا؟

- منذ صغرى، وأنا أعشق اللعب التى بها محرك صغير، وكنت أحاول بعد أن أفك المحرك أن أعيد تركيبه مرة ثانية، ولأنى كنت أنجح كثيرًا فى ذلك، زاد تعلقى بالمحركات، وهو ما دفعنى لتفضيل كلية الهندسة على غيرها من الكليات، وقسم الميكانيكا على باقى الأقسام، وقد تخصصت بشكل أدق فى ميكانيكا الهيدرولك التى تعنى بالجمع بين المتغيرات الميكانيكية للخروج بمنتج جديد، تزيد فوائد استخدامه على تكلفة إنتاجه.

ـ وكيف كانت بدايتك مع عالم الاختراعات؟

- أثناء إعدادى لأبحاث تخص دراسة الماجستير عرضت على أستاذى المشرف على رسالتى فكرة لغسالة بحوضين، وبعد أن اطلع أستاذى على الفكرة أكد لى أنه اختراع جديد، ويجب أن أسجله فى أكاديمية البحث العلمى باسمى، والأهم من ذلك أنه شجعنى على الاستمرار فى هذا الطريق، وكانت البداية، وتوالت الاختراعات.

ـ وما أهم الاختراعات التى كُرمتِ من أجلها؟

- أهم هذه الاختراعات جهاز الدرع الواقية من الجمرة الخبيثة، وجهاز لإبطال مفعول المتفجرات، وجهاز حماية المعلومات السرية لشبكة الإنترنت، والحوائط التى تقاوم الزلازل والصواريخ، وبعض الاختراعات الخاصة بتقليل أضرار حوادث السيارات، والتى منها نوع جديد من الإطارات الصب المدعم الممتص للصدمات.

السطو على الاختراعات

ـ وما طبيعة مكونات اختراع الدرع الواقية من الجمرة الخبيثة؟ وكيف تعمل؟

- اختراعى مكون من جزأين: الأول مخصص لحرق المادة البيولوجية فور ظهورها بالجهاز، والتخلص منها بالحرق الذى يمثل الحل الوحيد للتخلص من المواد البيولوجية أيًا كان نوعها، والجزء الثانى مهمته عزل الطرد، أو البريد الملغوم بيولوجيًا عن طريق مادة الفورمالين المحيطة بمدخل ومخرج الجهاز، أما فتح البريد فيتم عن طريق يد إلكترونية داخل الغرفة، والجهاز مزود بمادة لاصقة تقوم بلصق البريد الملوث تمهيدًا لحرقه، إلى جانب غرفة الحرق المصنعة من الزجاج الحرارى، ويعمل الجهاز بآلية الجهاز يتم شفط الهواء قبل تشغيل غرفة الحرق للمساعدة فى فتح الطرد، وتجميع المادة الملوثة فى بؤرة لرصدها بالداخل بعد ذلك بواسطة أشعة الليزر.

والجهاز مزود بخاصية استشعار عن بعد، وميزة هذا الجهاز أن لديه القدرة على اكتشاف التلوث، أو المواد السامة أيًا كان نوعها، كذلك يملك القدرة على التعامل مع كافة أنواع المواد البيولوجية والتمييز بين البريد الملوث، وغير الملوث، فضلاً على أنه يحقق الأمان للشخص المتعامل مع البريد، ومن ثم تختفى مخاطر هذه المواد البيولوجية، فيما لو تم تعميم تصنيع الجهاز واستخدامه.

ـ ماذا عن جهاز حماية المعلومات السرية لشبكة الإنترنت؟

- الفكرة ببساطة مبنية على التحكم فى المعلومات قبل وبعد خروجها من جهاز الكمبيوتر، وهى فى طريقها إلى الشبكة، وذلك عن طريق إضافة أمرين جديدين للجهاز، الأول خاص بدخول المعلومات على شبكة فرعية تشفر هذه المعلومات، ويتم إعادتها إلى الشبكة الأصلية، بحيث يسهل تداولها بين من نرغب فقط فى تبادل هذه المعلومة معه، والثانى تزويد هذه المعلومات بفيروس مضاد يحطم كل دخيل عليها لا يتعامل معها بشفرتها الأصلية، وقيمة الاختراع راجعة إلى سهولة الاحتفاظ بالمعلومات السرية على الشبكة دون الخوف من قنصها، كذلك تحقيق أمان أعلى لمستخدم الشبكة من الفيروسات.

ـ نسمع كثيرًا عن سرقة المخترعات وسلب حقوق المخترعين، فهل واجهتِ مثل هذه الحالة؟

- من أكثر الأشياء التى تحبط المخترع السطو على مخترعاته، وبالنسبة لى فقد تمّ السطو على بعض اختراعاتى، وكان أهمها ما قامت به مصانع صينية من تصنيع لفرن القضاء على الجمرة الخبيثة، بتنفيذه بذات المواصفات التى تقدمت بها لأكاديمية البحث العلمى دون تغيير أو تعديل، وطبعًا نسبوا فكرة اختراعه لأنفسهم، كذلك بالنسبة لكرسى المرضى الهزاز، والذى تم تصنيعه فى السويد، والمشكلة هنا أن حكوماتنا فى غمار انشغالها بمخاوف تطبيقات قوانين حماية الملكية عالميًا نست أن عندها مخترعين لهم حقوق لدى العالم لابد أن تطالب بها.

ـ إلى أى مدى ترين أهمية دور الأسرة المسلمة فى نجاح أفرادها؟

- أفضل رد على هذا التساؤل هو ما أنا فيه، إذا أمكن أن يحتسب ما وفقنى الله إليه نجاحًا، فحرص أبى على أن نحفظ جميعًا القرآن الكريم، وأن نكون ملتزمين دينيًا سبب أساس لما نحن فيه، كما رزقنى الله (سبحانه وتعالى) زوجًا يعرف الله جيدًا، وكان لى نعم العون، حتى إنه كان بجانب أشغاله الكثيرة فى عمله بالتجارة يحرص على أن يشاركنى فى مجهود تنفيذ أفكارى وخروجها إلى النور، ومنذ أن اختاره الله (جل وعلا) لم أقدم أى اختراع.

ـ عودة إلى (وسام الاستحقاق العالمى) كيف تفسرين هذا التكريم؟

- أعتبر هذا التكريم شهادة من الغرب للمرأة المسلمة بأنها بفضل تمسكها بتعاليم دينها تستطيع أن تحقق أفضل الإنجازات، ووثيقة تبرئة لهذا الدين الذى يشاع عنه وقوفه ضد حرية المرأة، وحقها فى التعلم.

ولكن مازال البحث العلمى يعانى إسلاميًا وعربيًا من عدة مشكلات أهمها على الإطلاق: قلة الموارد المادية المرصودة له، بالمقارنة بمثله فى الغرب، وهجرة الكثير من العقول الإسلامية للغرب بحثًا عن مناخ علمى مواتٍ، وكسب مادى أيضًا، وضعف التعاون البحثى العلمى الإسلامى والعربى، كذلك مكانة البحث العلمى المتدنية فى سلم أولويات معظم الدول الإسلامية، وإذا كان هذا هو حال البحث العلمى عربيًا وإسلاميًا فالتخطيط لمستقبله لابد أن ينطلق من قاعدة التغلب على هذه المعوقات، وأن يكون حافزه حتمية النهضة العلمية الإسلامية باعتبارها مكونًا أساسيًا من مكونات النهضة الإسلامية العامة المنشودة.

من وحى سورة الكهف

ـ ذكرت من قبل أن بعض الآيات القرآنية كانت مصدر إلهام لعدد من اختراعاتك هل تذكرين لنا مثالاً من هذه الاختراعات؟؟

- من هذه الاختراعات هو تكوين خرسانة مسلحة من حوائط البيتومين من «الحديد المنصهر» معتمدًا على آية قرآنية كريمة فى سورة الكهف، وهى قوله تعالى: {آتونى زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارًا قال آتونى أفرغ عليه قطرا فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا} [الكهف 96 و97].

والهدف هو بناء حائط البيتومين مع الحديد المنصهر (القار)، وهو من منتجات البترول (عوادم البترول)، ولكى يتم بناء الحوائط والقواعد الخرسانية، أو عزل الأعمدة بهذه الطريقة، يتم استخدام الحديد المنصهر مع الإسفلت بدلا عن "خلطة الإسفلت"، وتبطن به الأماكن المعرضة لرشح المياه كالحمامات، وكذلك قاعدة وجوانب القواعد الخرسانية فى السدود والمصارف المعرضة بالمياه، كذلك المبانى المقاومة للزلازل، أو حتى الصواريخ.

ويشير البحث إلى أن استخدام حجارة من كتل إسمنتية مع حديد التسليح، ثم يوضع البيتومين والحديد المنصهر حول هذه الحجارة، ينتج عنه مقاومة هائلة للزلازل، كما أنه يساعد على البناية.

ـ علمنا أن ابنتك هى أيضًا لها عدد من الاختراعات هل حدثتنا عنها؟

- إنجى سجلت 13 اختراعًا، أول الاختراعات كان عن هاتف للدراسة كبديل للدروس الخصوصية، بذات فكرة البرامج التعليمية فى التليفزيون إلا أن هذا الهاتف يتيح إعادة درس معين فى المادة الدراسية التى يحددها الطالب، ويوصل عن طريق السنترال بكود معين حسب كل مادة دراسية؛ حيث يستمع الطالب إلى تسجيل كامل لهذا الدرس الذى يريده وتطبيقاته، وحصلت إنجى على المركز الأول فى المسابقة التى أقامتها أكاديمية البحث العلمى للأطفال المخترعين عن اختراعها لهاتف الدراسة هذا، وكان عمرها 13 عامًا، وتوالت بعد ذلك اختراعات إنجى، فاخترعت خيمة تعمل بالطاقة الشمسية عن طريق تحويل الطاقة الشمسية إلى كهربائية، وهناك أيضًا سلاكة حوض بالكهرباء، ومبخرة بالكهرباء، وقربة ماء ساخن تعمل بالكهرباء، وخلاط يفصل بذور الطماطم عن الطماطم، واشتركت مع والدها فى اختراع باب "أوكرديون" للسيارة، وحصلت على 3 ميداليات ذهبية من السيدة سوزان مبارك فى مسابقات الاختراع والابتكار التى تنظم سنويًا.

ـ هل للبيئة العلمية دخل فى وجود موهبة الاختراع والابتكار عند الأبناء؟

- قمت بتأليف كتاب بعنوان: "طريق الاختراع" عن تجربة أسرتى مع الاختراعات، وقراءاتى حول هذا الموضوع؛ ووجدت أن البيئة العلمية لها دور كبير فى زرع بذرة الابتكار والاختراع عند الطفل الذكى، ولهذا بدأت مع إنجى ابنتى منذ كان عمرها 9 سنوات بأن أجعلها تقرأ فى الموسوعة العلمية، وعندما أصبح عمرها 12 عامًا بدأت تفكر فى الدخول إلى هذا المجال، وتشاركنى أثناء تجاربى، وبدأت التفكير فى كيفية أن تصل بفكرة من أفكارها إلى النهاية، وكانت تستشير والدها أيضًا، صحيح أن أى اختراع هو شرارة، أو فكرة فى البداية لكنه يحتاج إلى مساعدة من الآخرين.

بين العلم والوهم

ـ لكن هل التفوق الدراسى دليل على ذكاء الطفل، وإمكانية أن يصبح مخترعًا أو مبتكرًا؟

- لا بالطبع فكم من مخترعين ومبتكرين ومكتشفين أمثال إديسون ونيوتن وآينشتاين ممن أضافوا للبشرية الكثير كانوا من غير المتفوقين دراسيًا، ومهمة كل أم أن تراقب طفلها إذا كان لديه هواية الفك والتركيب لأى شيء أو للعبة، وعليها أن تبدأ فى التنبيه على أهمية أن تجعله يقرأ فى الموسوعات العلمية التى تشرح للطفل كل شيء عن عالم الاختراعات، وتخبره عن الحالة النفسية التى يتعرض لها المخترع أثناء شرارة الاختراع، فهناك فرق بين الموهبة الفنية كالغناء، والتقليد، والرسم، والتفكير العلمى، أو الخيال العلمى، الذى يجب أن ينمى فى الطفل، وإلا سوف يختفى، ولهذا فالفكرة إذا قبلها المحيطون بك فهى خيال علمى، وإذا لم يتقبلها المحيطون بك فهى مجرد خيال وهمى لا يصلح للتطبيق.

ـ من واقع خبرتك العملية كيف ترين مستقبل المرأة المسلمة فى البحث العلمى؟

- المرأة المسلمة أثبتت على مدار تاريخها أنها قادرة على الإبداع والإنجاز فى كل المجالات، والبحث العلمى مجال لم يكن بعيدًا عن إنجاز المرأة المسلمة، لذلك أتوقع مزيدًا من هذه الإنجازات، لكنى أكرر أن الأهم هنا هو: الاعتصام بمبادئ الدين الإسلامى للوقاية من شرور ما يحمله مستقبل البحث العلمى لنا.